خليل الصفدي

458

أعيان العصر وأعوان النصر

ربيع الأول ، لما قبض على آيدغدي « 1 » شقير ، وبقي في الاعتقال مدة سنة ونصف ، وأخذ له من ماله شيئا كثيرا ، ثم إنه أفرج عنه ، وجهّزه نائبا إلى صفد في سنة ست عشرة وسبعمائة ، وأنعم عليه بمائة ألف درهم ، فأقام بها عشرة أشهر ، ثم طلبه إلى مصر ، وكان من جملة أمراء المشورة ، وإذا تكلم السلطان في المشور ، لا يرثد « 2 » عليه غيره ، لما عنده من المعرفة والخبرة . أخبرني الأمير شرف الدين حسين ، قال : إذا جلسنا للمشور ، ما فينا أحد يعترض على السلطان ويرد عليه ، ويقول : جيد أو ما هو جيّد إلّا بكتمر الحاجب ، قلت له : فأنتم ما تقولون ، قال : مهما قاله قلنا : هذا هو الرأي المبارك . وكان قد تزوّج ابنة الأمير جمال الدين آقوش نائب الكرك ، وعمّر له بمصر دارا ظاهر باب النصر على القاهرة ، وعمّر هناك مدرسة إلى جانبها ، وفي آخر أمره سرق له مال كثير من خزانته ، ادّعى في الظاهر أنه مبلغ مائتي ألف درهم ، وكان في الباطن على ما قيل : سبعمائة ألف أو أكثر ، فما جسر يتفوّه ؛ خوفا من السلطان ، وكان الأمير سيف الدين قدودار « 3 » والي القاهرة ، فرسم السلطان له بتتبع هذه العملة ، فيقال : إن بكتمر الساقي والوزير مغلطاي الجمالي والقاضي فخر الدين ناظر الجيش عاملوا في الباطن عليه ، فشرعوا يحجفون عن المتهمين ، فإذا قال السلطان للوالي : أيش عملت في عملة الأمير سيف الدين بكتمر الحاجب ؟ يقول القاضي فخر الدين : يا خوند ، لعن اللّه ساعة هذه العملة ، كل يوم يموت الناس تحت المقارع ، وإلى متى يقتل المتّهم الذي لا ذنب له ، ثم إنه في آخر الحال وقف الأمير سيف الدين بكتمر الحاجب في دار العدل ، وشكا وتضوّر ، فأحضر السلطان الوالي وسبّه ، وأظهر غضبا عظيما ، فقال : يا خوند ، اللصوص الذين أمسكتهم وعاقبتهم ، أقرّوا أن سيف الدين بخشي خزنداره اتفق معهم على أخذ المال ، وجماعة من ألزمه الذين في بابه ، فقال السلطان للجمالي الوزير : أحضر هؤلاء المذكورين عاقبهم ، فأحضرهم وعاقبهم ، وعصر هذا بخشي . وكان عزيزا عنده قد زوّجه ابنته ، وهو واثق بعقله ودينه وأمانته ، فقال بخشي : يا خوند ، أنا واللّه الذي تحت يدي لأستاذي ، ما يدري ما هو ، فما أخلي غيري يأخذ معي

--> ( 1 ) آيدغدي هو : آيدغدي المنكوتمري ، المتوفى في سنة 715 ه . ( 2 ) يرثد : أي يرد أو يفصل كلامه أو يناقشه ورثد المتاع نضده ، والرثد بالكسر الجماعة المقيمة ، وقد أرثدوا وبالتحريك ضعفه الناس ، واحتفر الثرى حتى أرثد . بلغ الثرى . ( 3 ) أورد له المصنف ترجمة .